فنانو العالم يرسمون الأمل بألوان الحياة


2/4/2019

المصدر-جريدة السياسة





صورة الماليزي ادوين اونغ ويكي

 

متعة بصرية مزدانة بألوان حضارات العالم وثقافاته، ورؤى مصورين ترجموها بعدساتهم ليجسدوا “الأمل” في لغة عالمية تتخطى الحدود الجغرافية والفوارق المختلفة بين الشرق والغرب، وتتخطى الحرف والكلمة لتصل الى قلوب الجميع من دون استثناء، وتحرك مشاعرهم واحاسيسهم، وتأخذهم الى عالم براق يجمع بين الفن والجمال والتكنولوجيا والانسانية، وتحلق بهم عاليا في سماء من الإبداع والابتكار والإبهار تحت راية “حمدان الدولية للتصوير الضوئي “التي حملت على عاتقها نشر ثقافة التصوير الضوئي من منظر جمالي واقامة مدرسة فنون صديقة للانسان تنثر السعادة والخير والتفوق.

على مدار عام كامل، شارك آلاف المصورين حول العالم في النسخة الثامنة من جائزة “حمدان الدولية للتصوير الضوئي” والتي حملت عنوان “الأمل” ليتسابقوا جميعا في التحدث بلغة الصورة التي تفوقت على اللغة، كأداة تعبير وتواصل وابداع، خصوصا انها تجسد حالات ذهنية مروا بها اوعاشوها وانحازوا لها، خصوصا انها تدخل ضمن محاور حياتية معاشة بشكل يومي، ما رفع من مستوى المنافسة البلاغية بينهم، و”ادرينالين “التعبيرات الفوتوغرافية المتخفزة للفوز، ليتربع في النهاية على عرش الفوز التعبيرات الابداعية الاقرب لواقع “الأمل” والتي تمتلك عناصر المتعة والادهاش والفرادة في التناول والتنفيذ، وذلك في حفل كبير اقيم في اوبرا دبي، مثل “الأم… مدرسة الأمل” للماليزي إدوين اونغ ويكي ،الذي وثقت صورته حالة انسانية مكثفة الاحاسيس حول ام فيتنامية تعاني من اعاقة في النطق ،ولكنها رغم ذلك تعتمد الامل منهجا لاستحضار القوة من اجل تربية اولادها، و”بانيو بين الانقاض” للفلسطيني وسام نصار الذي جسد صورة اب يستخدم آخر قطعة سليمة في منزله المهدم لاستحمام ابنتيه، ووسط دمار شامل للمنازل المحيطة به.



ابتسامة وأنشودة

انه الشريان الحقيقي الذي يمنح القلب شغف العطاء، ويوجه دفة الحياة نحو المعاني المضيئة، بهذه العبارة وصف ولي عهد دبي وراعي جائزة حمدان الدولية للتصوير الضوئي حمدان بن محمد بن راشد “الأمل” ليختتم الموسم الثامن من الجائزة التي اعتبرها انشودة ضوئية محلقة تسعد الناس وتمنحهم طاقة حقيقية لصناعة مستقبل افضل، وقال :مع اشراقة كل يوم، ندرك تسارع التطور والتحديث في صناعة الفوتوغرافيا حول العالم، وتوسح حضور العدسة في اعين المتفاعلين معها بصريا، لذلك، نعمل على مواكبة ابرز المستجدات، لتقديمها هدية في قوالب مهارية ومعرفية تعزيزا للرؤية الاساسية الرامية لصناعة جيل من المصورين قادر على لعب دور رائد في تشكيل مستقبل فنون بصري عالمي. وأشاد بالأعمال المشاركة في لأنها جسدت صورا بألوان وقراءات خاصة رفعت معايير التحكيم القبعة لها، لامتلاكها عناصر الالهام والتأثير القادر على رسم ابتسامة الأمل على وجوه مشاهديها.



الفنون لصناعة المجتمع

اما امين عام الجائزة علي خليفة بن ثالث، فقد اكد ان طي مسيرة الدورة الثامنة من الجائزة يعد احتفالية بكل ما للكلمة من معنى، لأنها لغة انسانية عالمية تتشاركها الحضارات والثقافات المختلفة، وتدعو لترسيخها وتدعيمها عقائديا وفكريا وسلوكيا، وقال :الأمل مفهوم فطري لدى البشر، قدمناه فوتوغرافيا كي يبقى حاضرا في العقول والارواح، كوقود لا ينفد.

هذه الجائزة التي اطلقت في عام 2011 وفقا لرؤية ولي عهد دبي حمدان بن محمد بن راشد آل مكتوم، من اجل تكريم الفنون وتعزيز الوعي الاجتماعي بدورها الاساسي في رسم مستقبل الحضارات، وتشكيل العقلية المنسجمة مع مسيرة التنمية والتطوير وتقديم حقيقة علمية للجميع، وهي ان الفنون ليست مصنفة ضمن الكماليات الترفيهية، واضاف ان الفنون عصب رئيس في صناعة المجتمع الحديث، تمكنت من تغيير مجرى التاريخ مرات عدة وقادرة كذلك على تغيير شكل المستقبل.



لغة عالمية

تحت راية الأمل، كمحور اساس في نسخة “هيبا” للعامين 2018- 2019، فاز الماليزي إدوين ويكي بالجائزة الكبرى، التي تبلغ قيمتها 120 الف دولار ، بصورة انسانية تجسد مفهوم الأمل بشكل حرفي، وتحمل اسم “الأم… مدرسة الأمل” وتحكي قصة ام فيتنامية تحمل طفلا عمره شهر على ظهرها وتمسك بطفلها الآخر البالغ من العمر سنتين ، وتعاني من اضطرابات في الكلام، لكن الامر لم يمنعها من مواصلة حياتها كأم لطفلين، لأن محبتها غير مشروطة، رغم اعاقة النطق المشقة التي لا يمكن التغلب عليها، الا انها تصمم على ان تكون قوية من اجلهما، لتدل على وجوب استمرارالحياة والتغلب على الصعوبات اليومية من خلال اشراقة الأمل التي تشعر بها عندما تنظر اليهما.

ورغم ان الاندونيسي فاني اكتافيانوس اختار “يوم عاصف” ليكون عنوانا لصورته الفائزة بالمركز الاول، غير انها مفعمة بالأمل، تجسد صورة طفل يلعب في شارع مغمور بالمياه بعد هطول امطار غزيرة في سابانغ وسط جاكارتا، بينما اخرج مواطنه محمد فخر الرشيد الأمل من بين الانقاض ليفوز بالمركز الثاني بصورة عن قيام فريق انقاذ اندونيسي بإجلاء فتاة تبلغ من العمر 15 عاما وتدعى نورول من اضرار ما بعد زلزال وتسونامي “بالو” بوسط اندونيسيا، ليترجم املها في استعادة حياتها الطبيعية بعد الكارثة، ليبرز بعدها “بانيو” الفلسطيني سالم السعودي البالغ من العمر 30 عاما مع ابنتيه في صورة وسام نصار، الذي التقط لحظات جميلة جمعت بين الاب الذي يساعد ليان وشيماء على الاستحمام في البانيو في منزلهما المهدم بسبب القصف الاسرائيلي على غزة، ويعكس استمتاعهم معا رغم الخراب والدمار المحيط بهم ،وعيشهم في “كارافان “بالقرب من ركام منزلهم.

اما “الطريق الطويل” للايطالي فينوكياروالذي فاز بالمركز الرابع، فتجسد متطوعة في منظمة “UNITALSI “التي تقدم خدمات الحج للمرضى والمعوقين، وهي تنظر مبتسمة لمريضتها الممددة على سريرها، ورفيقة سفرها، كونها تسهر على راحتها وترعاها روحيا وجسديا خلال السفر، ورغم مشقة السهر وقلة النوم والارهاق، غير انها تشع حماسة وفرحا واملا.



كاميرات “الأمل” الجوية

بين التكنولوجيا المتطورة والسريعة في عالم التصوير والفن، ارتفعت الطائرات لتحمل لاصحابها اخبارا بصرية مدهشة تكشف العالم وتكتشفه من الاعلى، وتجسد الأمل مجددا في فئة التصوير الجوي “الفيديو” المضافة هذا العام في “هيبا”، لتمنح عشاق التصوير بالطائرات الفرصة كي يقدموا ابداعاتهم وميولهم البصرية المختلفة المركزة في التصوير السينمائي. وقد فاز بالمركز الأول الفرنسي فلوريان لودو الذي قدم “رفقا بضعفي” بغية التعبير عن التبصر في نقاء الطبيعة المذهلة والرؤية بالعين المجردة، حيث زار القطب الشمالي وصور المواجهات المهيبة عن كثب في تلك المنطقة النائية

من العالم ،وسلط الضوء على حقيقة التعايش المنسجم مع الحياة البرية في فترة سابقة. اما الفائز بالمركز الثاني الفلسطيني سليمان حجي فقد جالت عدسته المتنقلة في اواخر مارس 2018 على الحدود الفاصلة بين قطاع غزة والاراضي الفلسطينية المحتلة ،كي يوثق شكلا من اشكال النضال الشعبي السلمي للمطالبة بحق العودة للاراضي المقدسة التي هجروا منها في عام 1948، ليسافر الماليزي مجددا الى عالم البرودة ويختار بحيرة يايكال السيبيرية كي يليتقط في “التلاشي الابيض” اللقاء الملحمي من مناظر الطبيعة المتجلدة، بهدف اكتشاف التكوين المتميز وظروف اقدم واعمق بحيرة مياه عذبة على الارض خلال الشتاء، وتحديدا عندما تصل البرودة الى 20 درجة مئوية تحت الصفر، حيث تتحول الى ارض عجائب خالية من الحياة مع تشققات وقطع مكسورة من الجليد وطبقات متحركة تذوب وتتباطأ، سطحها يبدو صلبا، في حين انها هشة في الاسفل بفعل التيارات.




 



قصة مروية بالصور

وبالانتقال الى ملف المصور “قصة تروى” فما يزال المحور الاقوى من نوعه، كونه يمكن المصور من سرد قصة كاملة، ويمنحه الفرصة الثمينة كي يعرض صوره المتتابعة لايصال رسالة معينة من خلال سلسلة من الاحداث، لأن القصة المتكاملة تنفذ الى صلب الموضوع مباشرة ولا تدع مجالا لتأويل الصورة على منحى آخر، بل يمكن القول ان الملف فرصة رائعة للمصورين كي يسردوا قصصهم وايصال افكارهم المبدعة ليأسروا قلوب المشاهدين وابصارهم، متجاوزين حدود الصورة الواحدة والتحليق عاليا في آفاق القصة المروية، وهذا ما ترجمه الفلسطيني هيثم نور الدين الذي جسد في عشر صور قصة الامل التي يعيشها باستمرار الشعب الفلسطيني؛ وقد اختار تحركات متظاهرين من اجل حقوق العودة والمطالبة باستعادة المناطق التي هجروا منها في حرب 1948، والتي دارت عقب اعلان قيام الكيان الصهيوني، بينما انتقى العراقي مصطفى تركي مهناوي ان يخبر جمهور “هيبا” عن مصانع الطابوق في جنوب العراق، مصورا العمال الذين يصنعون ما يستعمل لصناعة المنازل، حيث وثق عملهم من الالف الى الياء، بدءاً من انشاء الطابوق وادخاله الى الفرن الخاص وصولا الى عملية الفخار

والتحميل لبيعه، مرورا بعملية التنظيف وطلاء الحائط بالطين، فضلا عن معاناتهم كبيرة في ظل الحرارة المرتفعة واستنشاق الغبار.



الاحادية والطيف

يستمر ألق “المحور العام” للدورة الثامنة، فلطالما كان المخرج الذي يتنفس منه المصورون ويضعون فيه ما يفخرون به، ولا يجدون مكانا له بين المحاور الاخرى، وعاما بعد عام، تزداد الجودة والتنوع مع حصة ثابتة تبلغ الثلث تقريبا، ما يسمح بمنح فرصتين عوضا عن واحدة من خلال تقسيمها الى “العام- الابيض والاسود” الذي يحمل معه عبق الصورة التي تمس شغاف القلب وتعود بالمشاهد الى مساحة الابداع باللون الاحادي، و”العام- الملون” الذي يتكون من طيف لوني متكامل وممتع.

في القسم الاول، فاز الفرنسي عون رضا بالمركز الاول بصورة “العجوز والقط”، ليجسد رجلا مسنا يقف بجانب مبنى سكني يعود للعهد السوفياتي في طشقند الاوزبكستانية ليحكي لحظة من العزلة والغموض في ما كان يعرف بالماضي بالمناطق الاسطورية لطريق الحرير. في حين التقطت البرتغالية أنا فيليبا سكاربا طيفها المفضل، اي زوجها الذي تعتبره ملهمها الاول ،مستعينة بسحر تقنية التعريض الطويل،

بينما صور الفائز بالمركز الثالث الهنغاري تيبور كيرتز بومة صغيرة تلتهم فريستها في ليلة ماطرة مطلقا عليها اسم “وجبة ليلية”.

في “العام الملون” انتزع التايواني المرتبة الاولى بصورة “المتطفل الصغير”، وهي لطائر صغير يتطفل على طير جارح خلال طيرانه في الاجواء حاملا فريسته، في حين غاص الاميركي كريم ايليا ليوثق “لقاء غير متكافئ” بين حوت احدب بعمر شهرين، انما بحجم اكبر من سيارة ، ويراقص فتاة تمارس الغوص في مياه “تونغا” الاوقيانوسية، في الوقت الذي كانت تستريح والدته في الاسفل، خلال رحلة العودة الى القارة القطبية الجنوبية. وحصدت “دوامة” الكويتي عبدالله الشطي المركز الثالث ،وقد التقطها على احد سواحل الكويت وتحديدا في منطقة الصليبيخات الغنية بالقشريات والروبيان، مجسدا مجموعة من طيور الفلامينغو، مستخدما طائرة التصوير الجوي “الدرون” لالتقاط الصورة.



جوائز تكريمية

ككل عام كرمت حمدان الدولية للتصوير الضوئي اسماء بارزة في ميادين متعددة، باعتبار انها قدمت على مر السنوات ما هو جديد وشامل بعد سنوات من الخبرة المتراكمة التي نفعت اهل المهنة ومثلت رسالة مهنية يجب المحافظة عليها، وتعمل على تطوير وتدعم ما توصلوا اليه في سبيل الارتقاء، لان التصوير يعد من الفنون المهنية التي تضمن استمرارية البشرية، كما ان “هيبا” تضع على عاتقها واجب تقدير هؤلاء لما ساهموا به في تطوير فن التصوير تحت راية الجائزة التقديرية التي حصل عليها في النسخة الثامنة المصور البريطاني تيم فلاك، الاختصاصي في تصوير الحيوانات، والذي اشتهر بتصويرها في الاستديو بعيدا عن بيئتها المعتادة، ويسعى دوما للتعريف بدور الصور في تعزيز التواصل العاطفي واضفاء الحياة على تعقيدات مملكة الحيوانات، وربط الناس بشكل افضل بالطبيعة، سعيا للتوافق مع متطلبات الازمة البيئية، خصوصا انه جال حول العالم بغية تصوير تلك المهددة بالانقراض.

اما جائزة صناع المحتوى الفوتوغرافي، التي يجمع الحائز عليها بين اللوحة الفنية والعدسة الاحترافية واجادة التعامل مع الموقف والتطويع من اجل ايجاد تأثير ايجابي واضح وملموس يغني عالم الفوتوغرافيا والابحاث والاختراعات، وقد حصل عليها النيوزيلندي توم آنغ، الذي يعد من ابرز الشخصيات في عالم التصوير الرقمي، وهو مصور ومؤلف كتاب “سفر مصور” عن عمله في تصوير اماكن رحلات ماركو بولو الاستكشافية التي كانت بداية طريق الحرير الحديث من اوروبا الى الصين.

وفي ما يخص جائزة الشخصية- المؤسسة الفوتوغرافية الواعدة، والتي تمنح لشخصية شابة او مؤسسة ناشئة تشكل ظاهرة في عملها او ظروفها وافكارها، وتمثل املا واعدا لصناعة الفوتوغرافيا في بلدها او منطقتها، فقد حصل عليها الاماراتي يوسف الحبشي، الاختصاصي في التصوير المجهري “الماكرو”.

 




الصورة الفائزة بالجائزة الرابعة للإيطالية فيتو فينو كيارو



صورة الفرنسي عون رضا