يعدّ الحفاظ على استمرارية عمل الأنظمة الأساس الذي تُبنى عليه ثقة العملاء بالنسبة لمديري تكنولوجيا المعلومات في جميع أنحاء الشرق الأوسط وأفريقيا. ومع تسريع مؤسسات القطاع العام والشركات الخاصة لوتيرة تحولها الرقمي، يصبح ضمان استمرارية التشغيل أولوية قصوى، سيما وأن أي انقطاعٍ في البنية التحتية قد يؤدي إلى توقف فوري للخدمات الحيوية في بيئات الأعمال المعاصرة، ويهدد السلامة العامة، وينعكس سلبياً على تجربة المستخدم.
وفي ضوء ذلك، يمثل تحقيق هذا المستوى من الاستقرار التشغيلي تحدياً للمؤسسات التي تعمل في بيئات شديدة الحساسية، وتخضع لأطر امتثال صارمة ومتطلبات خاصة بتوطين البيانات (Data Residency). ولحماية الخدمات الحيوية المقدمة للمستهلكين وأفراد المجتمع عموماً، يتجه قادة تقنية المعلومات الذين يتمتعون برؤية استشرافية إلى تبني استراتيجيات السحابة الهجينة المفتوحة والسحابة المتعددة (Multicloud). ويوفر الاعتماد على أسس مفتوحة المصدر تتمحور حول التحكم والشفافية والمرونة خيارات نشر قائمة على معايير مفتوحة. ويسهم هذا النهج في الحد من الاعتماد على مزود واحد، وحماية أعباء العمل الحساسة، وضمان استمرارية الخدمات الحيوية بسلاسة.
المرونة الحقيقية تتطلب قابلية نقل أعباء العمل
إلى جانب استمرارية الخدمات، تتطلب المرونة الحقيقية قابلية نقل أعباء العمل (Workload Portability)، إذ تحتاج المؤسسات إلى تحكمٍ استراتيجي لتشغيل ونقل أعباء العمل الحيوية بين البيئات المحلية (On-premise)، والسحابات الخاصة، والسحابات العامة، والبنى التحتية للسحابات السيادية، وذلك بما يتوافق مع المتطلبات التنظيمية أو التشغيلية أو القانونية المتغيرة.
وعند وقوع اضطرابات غير متوقعة، تصبح المحافظة على استمرارية عمل الخدمات الأساسية ضرورة حتمية للأعمال. ويحتاج مديرو تكنولوجيا المعلومات إلى المرونة التشغيلية اللازمة لترحيل أعباء العمل بسلاسة بين مزودي الخدمات السحابية، أو إعادتها إلى مراكز البيانات المحلية في غضون لحظات. وفي هذا الصدد، توفر منصات السحابة الهجينة المفتوحة من "ريد هات" هذه القابلية المرنة للنقل، بما يساعد المؤسسات على الحفاظ على استقلاليتها التقنية وحماية استمرارية تقديم الخدمات، بصرف النظر عن الظروف الخارجية.
التحول من التعافي التفاعلي إلى الأتمتة الاستباقية
مع تسارع وتيرة التهديدات الحديثة، أصبح من الصعب مواصلة الاعتماد على النماذج الأمنية التقليدية القائمة على الاستجابة بعد وقوع الحوادث؛ إذ يضع هذا النهج المؤسسة في موقف دفاعي، وغالباً ما يؤدي إلى ارتكاب أخطاء مكلفة تحت ضغوط شديدة. كما أن التداعيات المتعاقبة الناجمة من ذلك، بدءاً من تأخر نشر التطبيقات وانخفاض إنتاجية المطورين، وصولاً إلى إطالة أمد دورات المعالجة، تؤدي في نهاية المطاف إلى تقويض ثقة العملاء.
وللحد من وطأة هذه المخاطر، تعيد المؤسسات توجيه إنفاقها في مجال تكنولوجيا المعلومات نحو الكشف الآلي عن التهديدات، والاستجابة للحوادث، وتنسيق العمليات الأمنية. ونشهد حالياً تحركاً أوسع على مستوى القطاع نحو تأمين سلسلة توريد البرمجيات مفتوحة المصدر بصورة كاملة.
ويحفّز هذا التوجُّه استثماراتٍ ضخمة على مستوى المنظومة التقنية برُمَّتها، مثل مبادرة "لايتويل" (Lightwell)، وهي مبادرة مشتركة بين "ريد هات" و"آي بي إم" (IBM) لإنشاء مركز متخصص لمعالجة الثغرات الأمنية في البرمجيات مفتوحة المصدر. وتجمع مبادرة "لايتويل" بين الهندسة البشرية والقدرات المتقدمة للذكاء الاصطناعي لتحديد نقاط الضعف في الأكواد البرمجية ومعالجتها قبل دخولها إلى بيئات الإنتاج. وتتيح هذه المنظومة للمؤسسات إصلاح الثغرات الأمنية دون تعطيل التطبيقات التي تعمل بالفعل في بيئة الإنتاج، من خلال تحويل التركيز من إدارة التحديثات الأمنية المعزولة إلى الدفاع البرمجي المنسق والاستباقي. وبالنسبة لمديري تكنولوجيا المعلومات، يؤسس هذا النهج سلسلة توريد رقمية مرنة تحافظ على ثقة العملاء دون إثقال كاهل فرق الهندسة الداخلية.
القضاء على الصوامع في البنى التحتية لتحسين التكاليف
تواجه المؤسسات ضغوطاً مستمرة لتحسين التكاليف بالتزامن مع تحديث البنى التحتية القديمة (Legacy Infrastructure). ومع ارتفاع تكاليف الأجهزة، تتزايد الحاجة إلى توحيد البيئات التقنية وتحسينها.
ويمكن الإشارة هنا إلى تجربة "بنك مصر"، الذي واجه تحدياً في بنيته التحتية، حيث أدت البيئات المنعزلة والعمليات اليدوية إلى إبطاء إطلاق الخدمات المصرفية الجديدة في الوقت الذي كان يتزايد فيه طلب المستهلكين. واحتاج البنك إلى خفض التكاليف التشغيلية مع تسريع طرح الخدمات الرقمية الجديدة في السوق بهدف إنشاء أول بنك رقمي في مصر. وقد تعاونّا مع "بنك مصر" لبناء أساس موحد ومؤتمت، حيث ساهم توحيد بيئاته في إزالة العوائق الناتجة عن العمليات اليدوية وتحسين قابلية توسيع البنية التحتية. ونتيجة لذلك، تمكن البنك من معالجة التحديات التشغيلية واكتساب المرونة اللازمة لإطلاق الخدمات الرقمية بسرعة وكفاءة من حيث التكلفة، بما يعزز قدرته على خدمة عملائه بصورة أفضل.
تفعيل الذكاء الاصطناعي السيادي وفق متطلبات كل مؤسسة
مع تسارع وتيرة تبني الذكاء الاصطناعي، يتمثل التحدي الرئيس أمام مديري تكنولوجيا المعلومات في الانتقال بأمان من مرحلة التجريب إلى مرحلة الإنتاج على نطاقٍ واسع، مع الاحتفاظ بالسيطرة الكاملة على البيانات والنماذج. ويتطلب الذكاء الاصطناعي السيادي الحقيقي تحكماً مطلقاً في البنية التحتية والبيانات وسلوك النماذج والتكاليف.
وفي جميع أنحاء المنطقة، تعمل منظوماتٌ مثل "مورو هب" (Moro Hub) و"كور 42" (Core42) على إحداث توازن بين بناء منظوماتٍ ضخمة لمراكز البيانات المحسنة لتقنيات الذكاء الاصطناعي - التي تتطلبها أعباء العمل المتطورة - وبين لوائح توطين البيانات الصارمة. وتساعد هذه المؤسسات الرائدة التي تعمل في بيئات شديدة التنظيم على الموازنة بين متطلبات الابتكار في الذكاء الاصطناعي وبين توطين البيانات، والامتثال، والرقابة القانونية. ومع توسع نطاق تبني الذكاء الاصطناعي، يتعين على هذه المؤسسات دعم أعباء عمل متزايدة التعقيد، مقترنة بتوفير رؤية واضحة للعملاء، وقابلية النقل، والحوكمة عبر بيئاتها التكنولوجية.
ولتحقيق ذلك، تستخدم هذه المؤسسات التقنيات مفتوحة المصدر بوصفها جسراً هيكلياً متسقاً يربط بين بيئاتها السحابية العامة والخاصة. ويتيح توحيد العمل ضمن إطار مفتوح دعم مجموعة متنوعة من مسرّعات الأجهزة، بما فيها تقنيات "إنفيديا" (NVIDIA)، و"إيه إم دي" (AMD)، و"إنتل" (Intel)، ما يمنح المؤسسات حرية تحسين أداء وحدات معالجة الرسومات دون الاعتماد على مزود واحد للبنية التحتية. ويوفر هذا النهج المفتوح التحكم في حدود البيانات، وقابلية نقل عمليات النشر، والشفافية اللازمة لنقل مبادرات الذكاء الاصطناعي في المؤسسات من المرحلة التجريبية إلى الإنتاج واسع النطاق.
وتوفر البرمجيات مفتوحة المصدر المخصصة للمؤسسات مستوى الاتساق الأساسي المطلوب عبر البيئات المحلية، والسحابات الخاصة، والسحابات السيادية، والسحابات العامة، وبيئات الحوسبة الطرفية. ويعد هذا النهج أمراً حيوياً لأنماط النشر الحساسة أو المنفصلة أو المعزولة تماماً عن الشبكات تفادياً للمخاطر المتعلقة بكشف البيانات. وفي نهاية المطاف، تتيح الاستفادة من التقنيات مفتوحة المصدر للمؤسسات الاحتفاظ بالسيطرة على منظومتها التكنولوجية، والاستفادة في الوقت ذاته من تسارُع وتيرة الابتكار عالمياً، مع الامتثال للوائح المحلية وحماية الأنظمة الحيوية. وفي هذا الصدد، تعتمد المرونة طويلة الأمد على مدى قدرة المؤسسات ومديري تكنولوجيا المعلومات على توحيد المنظومة الأمنية وقابلية التوسع والابتكار المفتوح في إطار نموذج تشغيلي متسق ومصمم للتكيف مع المتغيرات.




