تكنولوجيا

لماذا تُعد المرونة ركيزة لا غنى عنها في مسيرة التحول القائم على الذكاء الاصطناعي بالشرق الأوسط

بقلم: فراس آل الشيخ، المدير الإقليمي للمملكة العربية السعودية وشمال الخليج والمشرق العربي، وأدريان بيكرينج، المدير العام الإقليمي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، ومارتن لينتل، نائب الرئيس لمنطقة الشرق الأوسط وإفريقيا


في ظل المشهد الرقمي المتسارع في الشرق الأوسط، نشهد تحولاً من مرحلة تجريب تقنيات الذكاء الاصطناعي إلى ابتكار تطبيقات جاهزة للتشغيل الفعلي على نطاق الإنتاج. ويُعد هذا التحول عاملاً رئيسياً في تعزيز التنافسية الوطنية والمرونة الاقتصادية في مختلف أنحاء المنطقة.
وتبدو الفرص المستقبلية واعدة؛ إذ تشير التقديرات إلى مساهمة الذكاء الاصطناعي بنحو 320 مليار دولار أمريكي في اقتصاد الشرق الأوسط بحلول عام 2030، فيما يُتوقع أن يسهم بنحو 8% من الناتج المحلي الإجمالي لمصر خلال الفترة ذاتها.
غير أن تحقيق هذه القيمة المرجوة يتطلب التعامل مع سوق يتسم بالتباين؛ إذ تضم المنطقة مجموعة متنوعة من الطموحات الرقمية المختلفة، حيث تمضي كل دولة في تنفيذ استراتيجيتها الخاصة. ففي الوقت الذي تسرّع فيه دولة الإمارات جهودها لتصبح مركزاً عالمياً للحلول المالية والخدمات المدعومة بالذكاء الاصطناعي، تواصل المملكة العربية السعودية تنفيذ رؤيتها لبناء مدن جديدة كلياً مدعومة بالذكاء الاصطناعي. وفي المقابل، تقود سلطنة عُمان جهود تطوير حلول لوجستية أكثر كفاءة في استهلاك الطاقة، فيما تعمل مصر على ترسيخ مكانتها كمركز رئيسي للمواهب والذكاء الاصطناعي التطبيقي.
ويفرض هذا التنوع تحدياً فريداً من نوعه بالنسبة إلى مديري تكنولوجيا المعلومات وقادة الأعمال، فإدارة العمليات عبر بيئة تنظيمية وبنية تحتية متباينة بهذا الشكل تعني أن الاستراتيجيات الجامدة ستواجه صعوبة في التوسع. ومن أجل تحويل هذا المشهد الإقليمي المعقد إلى ميزة تنافسية، يجب على المؤسسات أن تضع المرونة وحرية الاختيار على رأس أولوياتها.
إذ تتطلب هذه المؤسسات الحرية لتشغيل النموذج ذاته عبر بيئات متعددة؛ على سبيل المثال داخل المؤسسات في الرياض لتلبية متطلبات الامتثال التنظيمي، أو عبر السحابة العامة في البحرين للاستفادة من إمكانات توسع، أو على أطراف الشبكة في القاهرة لتحقيق أعلى مستويات السرعة، وذلك دون الحاجة إلى إعادة هيكلة البنية التقنية بالكامل مع كل سوق جديدة.
ولإلقاء مزيد من الضوء على هذه المتطلبات الفريدة، طلبنا من عدد من قادة شركة "ريد هات" في منطقة الشرق الأوسط وخارجها مشاركة رؤاهم حول الفرص التي يتيحها هذا التحول المتسارع.
فراس آل الشيخ، المدير الإقليمي للمملكة العربية السعودية وشمال الخليج والمشرق العربي: "مواءمة الذكاء الاصطناعي مع الطموحات الوطنية"
إن التطبيق الاستراتيجي للوائح التنظيمية للبيانات، مثل نظام حماية البيانات الشخصية في المملكة العربية السعودية، يؤثر بشكل مباشر على منهجية المؤسسات في تبني تقنيات الذكاء الاصطناعي.
وفي المملكة، تفتح رؤية 2030 آفاقاً واسعة لدمج الذكاء الاصطناعي ضمن البنية التحتية للمشاريع العملاقة. وتتحول هذه المشاريع واسعة النطاق إلى منظومات ذكية ومترابطة تولد كميات هائلة من البيانات الحساسة، بما يجعل السيادة الرقمية عاملاً أساسياً لضمان بقاء المعلومات الهامة داخل أنظمة آمنة وتحت إشراف محلي.
وتُعد المصادر المفتوحة عاملاً محورياً لتمكين السيادة الرقمية، إذ تمنح المؤسسات مستوى أعلى من الشفافية والمرونة والتحكم في بيئاتها التقنية. وعند دمجها مع نهج السحابة الهجينة المفتوحة، تمكن المؤسسات من نشر أعباء العمل الحرجة بسلاسة عبر البنى المحلية، والسحابة العامة، ومزودي الخدمات المحليين، وفقاً لاحتياجاتها. وفيما يتعلق بالذكاء الاصطناعي، تتبنى شركة "ريد هات" استراتيجية "أي نموذج، أي مسرّع، وأي سحابة"، التي تتيح للعملاء، بما في ذلك الحكومات، تشغيل أعباء العمل الحساسة والخاضعة لمتطلبات تنظيمية صارمة، سواء الذكية أو التقليدية، على سحابة سيادية خاصة، مع الاستفادة في الوقت نفسه من السحابة العامة لتعزيز الابتكار السريع، وحوسبة الذكاء الاصطناعي، والتوسع.
أدريان بيكرينج، المدير العام الإقليمي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا: "منصة واحدة لقطاعات متعددة"
الفضول الدائم هو جوهر نهجنا في "ريد هات"؛ إذ لا نكتفي بالنظر إلى واقع المؤسسة اليوم، بل نعمل على استشراف موقعها الذي تصبو إليه خلال السنوات الثلاث المقبلة. وفي منطقة شديدة التنوع مثل الشرق الأوسط، تختلف متطلبات المؤسسات بشكل كبير؛ فاحتياجات بنك في دبي تختلف تماماً عن احتياجات شركة طاقة كبرى في الظهران.
• تولي المؤسسات المالية مثل "بنك الإمارات دبي الوطني" أهمية قصوى لإدارة المخاطر وتسريع وتيرة الابتكار، باستخدام منصات حديثة تقلّص دورات التطوير وتمكّنها من منافسة الشركات الرقمية الناشئة.
• يحتاج قطاع السياحة، بما في ذلك الشركات الرائدة مثل "طيران الإمارات" و"أماديوس"، إلى مرونة تشغيلية عالمية واستجابة لحظية لتقديم تجارب سفر مصممة خصيصاً.
• تتطلب قطاعات الطاقة والقطاع الحكومي قدرات متقدمة لحوسبة الحافة، لتمكينها من معالجة البيانات عن بعد وفي بيئات عالية المتطلبات.
ولا يمكن لمزود واحد أن يغطي كل هذه المتطلبات المتنوعة. لذلك نؤمن بنهج يعتمد على بناء منظومة متكاملة، فمن خلال الجمع بين الفرق المحلية وأصحاب الخبرات العالمية، والاستفادة من أدوات مثل منصة "ريد هات أنسيبل أوتوميشن"، يمكن للمؤسسات إدارة أعباء العمل عبر بيئات متعددة مثل "أمازون ويب سيرفيسز"، و"أزور"، و"جوجل كلاود"، والبنى المحلية، من خلال رؤية موحدة. وتكمن قابلية التوسع الفعلية في إتاحة منصة تعمل بالكفاءة ذاتها سواء في منصة نفطية أو داخل مركز بيانات.
مارتن لينتل، نائب الرئيس لمنطقة الشرق الأوسط وإفريقيا: "سد فجوة الذكاء الاصطناعي بالمهارات والثقافة والثقة"
إن التكنولوجيا ليست سوى نصف المعادلة. فبحسب استطلاع حديث أجريناه على مؤسسات في دولة الإمارات، أشار 76% من المشاركين إلى وجود فجوة ملحّة في مهارات الذكاء الاصطناعي، وهو واقع لا يمكن تجاهله.
وغالباً ما تؤدي أنظمة "الصندوق الأسود" الاحتكارية إلى تعميق هذه الفجوة، لأنها تُلزم الفرق باستخدام أدوات لا يمكنهم فهمها أو تدقيقها بشكل كامل. وعلى النقيض، تربط التقنيات مفتوحة المصدر فرق تكنولوجيا المعلومات بمجتمع عالمي من المطورين، بما يتيح لهم الاستفادة من المعرفة المشتركة بدلاً من البدء من الصفر.
ونشهد اليوم تحولاً واضحاً من النماذج اللغوية الكبيرة والمعقدة إلى نماذج أصغر وأكثر كفاءة، يسهل حوكمتها وتشغيلها بتكلفة أقل. وتسهم منصات مثل "ريد هات أوبن شيفت إيه آي" في إتاحة هذا التحول على نطاق أوسع، من خلال تقليل عوائق الدخول، وتمكين المهندسين وفرق خدمة العملاء الأقرب الذين يتعاملون عن كثب مع التحديات التشغيلية من امتلاك الأدوات التي تمكّنهم من حل المشكلات.
ويظل بناء الثقة قائماً على الشفافية. فالامتثال لأطر تنظيمية مثل نظام حماية البيانات الشخصية في المملكة العربية السعودية يتطلب وجود سجل قابل للتدقيق يوضح كيفية عمل أنظمة الذكاء الاصطناعي، الأمر الذي تسهم فيه المصادر المفتوحة من خلال توفير مستوى أعلى من الشفافية.
الجاهزية للمستقبل
يتجاوز التحدي اليوم تبنّي تقنيات الذكاء الاصطناعي، إذ يكمن في تشغيلها وتفعيلها بطريقة تراعي خصوصية اللوائح التنظيمية والثقافات والطموحات في منطقة الشرق الأوسط. ومن خلال اختيار أساس تقني مفتوح ومرن، فإن المؤسسات تستعد للمستقبل وتسهم في بنائه بشكل فاعل.

المنشورات ذات الصلة